الصالحي الشامي

339

سبل الهدى والرشاد

قد بدا لهم فيما يكلمهم فيه بداء ، وكان حريصا عليهم يحب رشدهم ويعز عليه عنتهم ، حتى جلس إليهم فقالوا : يا محمد إنا قد بعثنا إليك لنكلمك ، وإنا والله ما نعلم رجلا من العرب أدخل على قومه ما أدخلت على قومك ، لقد شتمت الآباء وعبت الدين وشتمت الآلهة وسفهت الأحلام ، وفرقت الجماعة ، فما بقي أمر قبيح إلا قد جئته فيما بيننا وبينك . أو كما قالوا له . فإن كنا إنما جئت بهذا الحديث تطلب به مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا وإن كنت إنما تريد به الشرف فينا فنحن نسودك علينا ، وإن كنت تريد به ملكا ملكناك علينا ، وإن كان هذا الذي يأتيك رئيا تراه قد غلب عليك - وكانوا يسمون التابع من الجن رئيا - فربما كان ذلك بذلنا أموالنا في طلب الطب لك حتى نبرئك منه أو نعذر فيك . فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما بي ما تقولون ، ما جئت به أطلب أموالكم ولا الشرف فيكم ولا الملك عليكم ، ولكن الله تعالى بعثني إليكم رسولا وأنزل علي كتابا وأمرني أن أكون لكم بشيرا ونذيرا ، فبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم فإن تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة وإن تردوه علي أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم . أو كما قال رسول الله صلى الله صلى عليه وسلم . قالوا : يا محمد إن كنت غير قابل منا شيئا مما عرضنا لك فإنك قد علمت أنه ليس أحد أضيق بلدا ولا أقل مالا ولا أشد عيشا منا ، فاسأل لنا ربك أنهارا كأنهار العراق والشام ، وليبعث لنا من مضى من آبائنا ، وليكن ممن يبعث لنا منهم قصي بن كلاب ، فإنه كان شيخ صدق فنسألهم عما تقول : أحق هو أم باطل ، فإن صدقوك وصنعت ما سألناك صدقناك وعرفنا منزلتك من الله وأنه بعثك إلينا رسولا كما تقول . فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما بهذا بعثت لكم ، إنما جئتكم من الله بما بعثني به وقد بلغتكم ما أرسلت به إليكم ، فإن تقبلوه فهو حظكم في الدينا والآخرة ، وإن تردوه أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم . قالوا : فإذا لم تفعل فخذ لنفسك ، سل ربك يبعث معك ملكا يصدقك بما تقول ويراجعنا عنك ، وسله فليجعل لك جنانا وقصورا وكنوزا من ذهب وفضة يغنيك بها عما نراك . تبغي ، فإنك تقوم بالأسواق وتلتمس الرزق وتلتمس المعاش كما نلتمسه ، حتى نعرف فضلك ومنزلتك إنا كنت رسولا . فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما أنا بفاعل ، ما أنا بالذي سأل ربه هذا وما بعثت إليكم بهذا ، ولكن الله بعثني بشيرا ونذيرا أو كما قال . فإن تقبلوا ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة ، وإن تردوه علي أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم .